الشيخ ابراهيم الأميني

35

تزكية النفس وتهذيبها

يستفاد من هذه الآيات ومن مئات الأحاديث والروايات الواردة عن النبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمة الأطهار عليهم السّلام أن قلب وروح الإنسان مثل بدنه لديهما سلامة ومرض وما من داع كي نحمل مرض وسلامة القلب على المجاز . فاللّه خالق القلوب والنفوس ، والنبي والأئمة عليهم السّلام العارفون بالبشر والقلب ، وهم من يخبر بمرض بعض القلوب ، فلما ذا لا نحمل الأمر على الحقيقة ؟ إنهم العارفون الحقيقيون بالإنسان . يعرفون بأمور من قبيل : الكفر ، النفاق ، عدم قبول الحق ، التكبر ، الحقد ، الغضب ، الوشاية ، الخيانة ، العجب ، الخوف ، سوء الظن ، التهمة ، قول السوء ، الغيبة ، العجلة ، الظلم ، الغلو ، الغرور ، البخل ، الحرص ، الاستعابة ، الكذب ، حب الجاه ، الرياء ، الحيلة ، سوء الظن ، القساوة ، ضعف النفس وغيرها من الصفات السيئة ، وقد عدوا كل هذا أمراضا قلبية وروحية . الذين يحدثون وقلوبهم هكذا لا يقتربون بقلب سليم من اللّه ، حتى تشملهم الآية : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ « 1 » . لا يمكننا استصغار أمراض القلب والنفس وعدم الاعتناء بها ، بل هي أخطر بكثير من أمراض الجسم ويصعب علاجها أكثر . في الأمراض الجسمية ، يختل توازن البدن ويصاب الجسد بالألم والتعب ، حتى أنه قد يفقد الإنسان عضوا من أعضاء بدنه ، ولكن هذه الأشياء محدودة على كل حال ولا تستمر أكثر من مدة العمر ، لكن الأمراض القلبية والنفسية فيها الشقاء والعذاب الأخروي ، الألم والعذاب الذي يدخل إلى أعماق القلب ويحرق الروح . القلب الغافل عن اللّه في هذا العالم ، والذي لا يرى العلامات الإلهية ، والإنسان الذي يقضي عمره في الضلالة والكفر والمعصية ويعيش في العمى ، فإنه يبعث يوم القيامة بهذا العمى ، ولن يكون مصيره إلا العذاب الأليم . يقول اللّه تعالى في القرآن الكريم : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى « 2 » .

--> ( 1 ) سورة الشعراء ، الآيتان 88 - 89 . ( 2 ) سورة طه ، الآيات 124 - 126 .